يوسف الشاهد في أوّل حديث له بعد ارتقائه إلى رئاسة الحكومة : القطع مع الحلول القديمة

0

المنبر التونسي (يوسف الشاهد – أجرى الحديث توفيق الحبيب – ليدرز) – كل الذين التـقوه حين كان منهمكا في تشكيل حكومته يقولون عنه إنّه ” بشوش، لكنه صلب الإرادة “. يوسف الشاهد لم يكن معروفا على نطاق واسع قبل تعيينه، هو ينوء بثقل المهمة التي أوكلت إليه، ثقل يتزايد يوما بعد يوم. عن شعوره هذا يقول يوسف الشاهد في حديث خص به مجلة ” ليدرز ” :  ” لقطات المشهد كانت تتابع بلا توقف، تتعقّد أكثر فأكثر، تتسارع…” . يضيف: ” ما إن فرغت من تشكيل حكومتي وأعلنت عن تركيبتها حتى وجدتني منشغلا بوضع اللمسات الأخيرة للخطاب البرنامج الذي كان عليّ أن ألقيه أمام مجلس نواب الشعب، منكبّا على جمع الفريق الحكومي، حريصا على انصهاره حتى نكون في أهبة لبدء العمل مباشرة. كان لا بد من الاهتداء إلى أفضل المقاربات في خضم الأولويات التي كانت تطوقنا من كل جانب…”

الرؤى كانت واضحة. الرأي السداد هو أن يتم ” القطع أصلا وشكلا مع كل الحلول القديمة. ذاك ما يريده البلد ولا مندوحة عنه إطلاقا “.

أسلوب الشاهد واضح هو الآخــر: تفويض الصلاحيات، إشاعة الشعور بالمسؤولية، القدرة على الاستباق، التحلّي بالشجاعة، الجرأة … واعتماد كل ذلك سبيلا إلى اتخاذ القرار.. القرار الجيد. لا تنازل البتّة عن أمور جوهريّة ثابتة هي: التضامن الحكومي وتجسيد الدولة واحترام القانون.

Couverture Leaders N°64-300ماذا قال يوسف الشاهد لأعضاء حكومته، من وزراء وكتاب دولة؟

كيف اختارهم؟

ما هي الضغوط التي تعرض لها وما هي المفاجآت التي عاشها؟

كيف رتّب أموره خلال كل الفترة التي استغرقها تشكيل الحكومة وبالتعويل على أي فريق عمل انتقالي؟

كيف سيبني طاقمه العملياتي في قصر الحكومة بالقصبة؟ ما طبيعة الخطاب الذي سيتوجّه به إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، من جهة وإلى الاتحاد العام التونسي للشغل من جهة أخرى؟ كيف ستكون علاقاته بقصر قرطاج؟

رئيس الحكومة الذي لم تمر عن تعيينه سوى أيام معدودات يجيب على كل هذه الأسئلة وغيرها ضمن هذا الحديث خص به مجلة ليدرز.

ماذا قلتم لأعضاء حكومتكم؟

كنت واضحا تماما. عرضت عليهم خطوطا كبرى.

  • هناك قبل كل شيء واجب التضامن الحكومي. الانتماء الحزبي ينبغي أن يتراجع إلى مقام ثان. أن يكون زيد أو عمرو عضوا في الحكومة، فذاك من قبيل الحظ والتميّز في فرصة حظوة تتاح له كي يخدم البلد، خاصة في هذه المرحلة الاستثنائية. من ينضمّ إلى الحكومة يصبح شخصية عامة، يجسّد الدولة . وسوف لن أسمح بأيّ تجاوز على هذا الصعيد.
  • هناك أيضا أهمية الاتصال في العمل الحكومي …هذا الاتصال ينبغي أن يكون منسجما وواضحا وبيّنا وبعيدا عن كل أنواع اللغط واللغو.
  • الجرأة في اتخاذ القرار.. ، الشجاعة.. سأكون حريصا جدا على إعطاء تفويض واسع على مستوى اتخاذ القرار.
  • سأكون سندا عتيدا لكم: بادروا، اعملوا، فأنا متحمل لمسؤولياتي..
  • التشدّد والصرامة حينما يقع تجاوز القانون وخرق الدستور…
  • صورة الحكومة من صورة البلد، من صورة الدولة..
  • الاستباق .. أمر مهم جدّا، بل أساسي لاستطلاع بوادر الأمور وتمثّلاتها الأولى والتّحرّك فورا. وفي حال تعكر الوضع، لا بد من مواجهة الأزمة  بالنجاعة اللازمة وبالسّرعة المطلوبة.

كيف اخترتم فريقكم الحكومي؟ 

 ذلك لم يكن بالأمر الهين. مقاييس واعتبارات عديدة ينبغي أخذها في الحسبان: الكفاءة، تمثيل العائلات السياسية على أوسع نطاق، تلك التي أمضت على اتفاق قرطاج والأخرى التي لم توقع عليه، التوازنات، التوازنات الجهوية بالخصوص، السن، الجنس، الخ… كانت هناك مسألة هندسة التركيبة الحكومية التي ينبغي بناؤها. كان لا بد من غلق الملف تماما بعد أسبوعين، وتحت ضغوط شديدة. الجولة الأولى تركزت على الأحزاب التي ينبغي أن تقترح مرشحيها، لا أن تطالب بوزارات، حتى تترك لي حرية اختيار أعضاء حكومتي بين  وزراء وكتاب دولة، سواء من بين من يتم ترشحيهم أو من سواهم. فاختيار فريقي أمر موكول إلي وحدي، ولا دخل للأحزاب في محاسبة هؤلاء الأعضاء، وهذا شيء في منتهى الأهمية من حيث خلق اللحمة الحكومية اللازمة.

التقيت حوالي 250 شخصا.. أجريت أحاديث مطولة مع البعض ، وموجزة مع البعض الآخر. تم موافاتي بفيض جارف من السّير الذاتية، فيها الغث وفيها السمين. أحسب أنّ كل هؤلاء كانوا طامعين في نيل منصب وأنهم كانوا مصرّين على ذلك.كان من الضروري تقييم كل هذه المطالب وفرزها حتى ننتهي إلى قائمة بحجم معقول وعلى قدر من الوجاهة. ثم أجريت جولة ثانية من الأحاديث مع بعض المرشحين الذين تتوفر لهم حظوظ لكي ينضموا إلى الفريق، ثم عدت إلى الأحزاب في جولة ثانية كذلك لكي أطلعها على اختياراتي وما استقر عليه رأيي.

النقاشات كانت حيّة جدا، الضغوط تشتد، المفاوضات تحتدّ . لقد اعتمدت منهجا غير معتاد. كان مرادي أن أضم من المرشحين  أفضلهم، وأن أضيف إلى الممضين على اتفاق قرطاج بعض من نأوا بالنفس عن التوقيع على غرار الجمهوري وغيره. كان من الصعوبة بمكان أن أحصل على مرادي دون أن أستثير استياء البعض وغضب الآخر.

لم يخل الأمر من مفاجآت إذن؟

 لم نسلم من المفاجآت ! لم أكن أغتاظ مما كان يبديه البعض من طموح جامح. ما كان يثير انتباهي بشكل خاص هو إعراض البعض عن الانضمام إلى التشكيلة الحكومية. كانوا يرفضون تحمّل المسؤولية العامة والقبول بالشروط المعروضة عليهم. أمر غريب حقيقة.

بالنسبة إلى هندسة الحكومة، لماذا عدلتم عن فكرة تجميع عدد من الوزارات في شكل أقطاب بعينها؟

 لقد استفدت كثيرا من مقارنة الهندسة الحكومية في الخارج بشتّى أشكالها، وحددت جملة من الخيارات التي تناسب تماما بلادنا في هذه المرحلة. فالتجميع أمر مفيد، لكنه يطرح في هذا الوقت بعض المشاكل التقنية والسياسية. هناك بالفعل مشاكل تقنية أنا ملمّ بها بحكم أنني عشت تجربة فصل الشؤون المحلية عن وزارة الداخلية، وأعلم ما ينبغي بذله من جهود وتسخيره من وقت بينما نحن على عجلة من أمرنا ونريد استحثاث الخطى إلى أبعد حدّ. وهنالك مشاكل سياسية باعتبار أنه من الصعوبة بمكان على حكومة وحدة وطنية أن تفرض وزيرا على رأس قطب حكومي على وزراء منبثقين من أحزاب أخرى يكونون تحت إمرته. وهذا أمر سيمكن تجاوزه بمرور الوقت.

كيف السبيل إلى تحويل هذه الحكومة غير المتجانسة إلى فريق منسجم وملتحم بشكل جيد؟

 هذا سيتوفر بفضل المشروع المشترك الذي يجمعنا والتحديات التي سنواجهها وتصميننا جميعا على النجاح في مسعانا. وسوف يوضع كل ذلك على المحك من خلال عملنا اليومي، وسترون كيف أن الانصهار سيتحقق.

كيف رتّبتم الأمور خلال هذه الفترة الانتقالية؟

لا يوجد كما تعلمون هيكل رسمي يحتضن عمل رئيس الحكومة المعيّن بسنده، كما لا تتوفّر ميزانية للغرض. لا شيء نتصرّف فيه غير دار الضيافة هذه، وعليّ أيضا أن أقتصرعلى فريق عالي الكفاءة، قليل العديد. قوامه لا يتعدى إجمالا بعض المتطوّعين، يعملون كلهم بالمجان، طلبوا من مشغليهم التمتع بإجازة، لم يخلدوا إلى الراحة والاستجمام، وقبلوا إسنادي والعمل إلى جانبي لمدة 12 و14 وحتى 16 ساعة في اليوم بما في ذلك أيام نهاية الأسبوع، دون أن يمنّوا النفس بمرافقتي إلى القصبة. هو التزام قبلنا التقيد به من الوهلة الأولى . لكنني على معرفة بهم من قبل، وتعمّقت اللحمة بيننا من خلال التحديات الكبرى التي صمّمنا جميعا على مواجهتها ورفعها.

بقيتم تضطلعون بمهام وزير للتنمية المحلية. كيف استطعتم مواصلة مهامكم على رأس هذه الوزارة وهي تمثل سلطة الاشراف بالنسبة إلى الولاة والبلديات؟

كان لا بدّ أن أواصل الاضطلاع بمهامي على رأس الوزارة ! ففي كل صباح يأتيني رئيس ديواني بجملة لا بأس بها من المراسلات و الدفاتر المهيأة للتوقيع بعد تفحصّها والتأشير عليها، كما يعرض عليّ إمضائي كمية من الأجوبة والقرارات. وعليّ أن أفرغ هذا العمل كل صباح في حدود السابعة والنصف قبل أن أتفرغ إلى أعمالي بصفتي الجديدة.

أي أسلوب ستعتمدون في أداء مهامكم على رأس الحكومة؟

القطع في الأصل وفي الشكل مع الحلول القديمة. التونسيون يرغبون في إحداث تغيير حقيقي. لذا لا بد من القطع مع القديم ومع ما لا نجاعة ترجى منه، كما لا بد من صنع أجوبة فيها تغيير وفيها تجديد.وهذا يتطلب تضافر جهود الجميع  ويحتاج حسب رأيي إلى إطلاق المبادرات وإعطاء تفويض كامل لأعضاء الحكومة حتى يتولوا كل المسؤوليات التي تدخل في دائرة نظرهم. الأفضل أن يقصروا لقاءاتهم معي على الأهم الأهم; فالحوكمة الرديئة مجلبة للخسارة على صعيد التنمية.

وماذا عن أسلوب عملكم في القصبة؟

لا بد من توفّر طاقم عملياتي back-office، فهذا أمر مهم. وسوف أكون حريصا على دعمه وهيكلته .

لا شك أنكم سوف تضعون إلى جانبكم شبابا كفئا متخرجا من المدارس العليا والجامعات؟

    البلد يعج بالكفاءات. لقد تأكدت من ذلك تماما بعد أن اطلعت على السيرات الذاتية التي كانت جيدة بحق. وسوف لن أتخلف عن الاستنجاد بهذه الكفاءات.

ما هي أولوياتكم في قادم الأيام؟

النقاط الخمس الواردة في اتفاق قرطاج، يضاف إليها إعداد مشروع ميزانية 2017 الذي ينبغي أن يكون جاهزا بعد شهر ونصف أي قبل تاريخ 15 أكتوبر القادم، إلى جانب قانون المالية.

هل تتجه النية إلى سـنّ قانون مالية تكميلي بالنسبة إلى سنة 2016؟

 أعتقد أن ذلك وارد تماما.. فأنت ترى مدى ثقل المستعجلات التي تنتظرنا، وعلينا أن نبادر من الآن إلى البحث والتفكير بعمق في منوال تنمية ..

ماذا ستفعلون مع صندوق النقد الدولي من جهة، ومع الاتحاد العام التونسي للشغل من جهة أخرى؟

لا شيء يغيب عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.. فهما على اطلاع دقيق على كل حساباتنا، وعلى إلمام كامل بتدهور ماليتنا العمومية، ولا بد من مواصلة المباحثات مع مسؤولي المؤسستين حتى نطلعهما على السياق الجديد ونحاول معا البحث عن الحلول المناسبة.

ومع الاتحاد العام التونسي للشغل؟

الحوار مجد ومفيد.. تنتظرنا قرارات مؤلمة، وتضحيات .. ليس لنا من خيار غير خيار الحوار والتفاوض والتنازلات من الجانبين وتقاسم الأعباء في القصبة وقرطاج، وأنا لعلى يقين من أننا سوف نجتاز الأزمة.. ما في ذلك شكّ.. هذا ما أنا عاقد العزم عليه على كل حال وسوف يتحقق بحول الله.

ما طبيعة علاقاتكم بقصر قرطاج في الحال وفي المستقبل؟

هي علاقات رسمية تتسم بالاحترام والتقدير والحرص على التعاون الوثيق. وهناك علاقات مهنية كذلك تقوم بين فرق العمل هنا وهناك. وهي علاقات ودية على المستوى الشخصي. لا بد أن أشير في هذا الصدد إلى ضرورة إيجاد دفق متواصل لا ينضب من اللقاءات والمبادلات والمشاورات بين رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس نواب الشعب، وسأكون شديد الحرص على ذلك.

- Youssef-Chahed-23-08-2016-660

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا