عبو: “قيس سعيّد رمز الأوهام اليوم.. خان الأمانة وانحرف”

0

المنبر التونسي (محمد عبو) – نشر الناشط السياسي والوزير السابق محمّد عبّو مقالا مطوّلا على صفحته في الفايسبوك، انتقد فيه بشدة رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والشخصيات التي اعتبرت أنّ المشكل الرئيسي في تونس هو الدستور.

وقال عبّو: “ما ذنب الدستور ؟

ما ذنبه لما يكون أغلب المجتمع الذي يتنزل فيه لا يختار للحكم إلا فاسدا أو شعبويا لما أصبح له بعد الثورة أن يختار بحرية ؟
ما ذنبه لما يفسد سياسيون فلا يجدون شعبا يتصدى لهم أو لما ينقلب رئيس فتخضع له جل مؤسسات الدولة صاغرة ويبقى الشعب يعتبره رئيسا؟
هل كان دور الدستور أن يغير العقول ويرفع مستوى الوعي، حتى نعتبره فاشلا؟
هل تكمن المشكلة في نظام الاقتراع كما يحاول البعض إقناع التونسيين به؟
يجب أن نلاحظ أنه لم يسبق أن تعذر يوما جمع أغلبية لتمرير قانون أو حتى قانون أساسي بسبب تشرذم تركيبة البرلمان، والحالات التي حصلت جميعها حالات تغيب نواب تعمدا أو قلة انضباط.”
كما أضاف منتقدا سعيّد: “قيس سعيد رمز الأوهام اليوم، كان يمكن أن يفرض في بضعة أشهر انضباطا يصعب بعده أو في فترة حكمه عل الأقل أن تجد طبقة سياسية تبحث عن منافعها الخاصة وعن مصلحتها في البقاء في الحكم عبر المال. كان ذلك ضروريا جدا وممكن التحقيق جدا، ولكنه ككثير من السياسيين الذين ينتقدهم خان الأمانة وانحرف، غير أن انحرافه كان أخطر من انحرافاتهم على مستوى التكلفة.

فلنبدأ أولا بالتخلص من الأوهام المرتبطة بمشروعه، في انتظار التحرر من أوهام زرعها غيره قبله. وأول خطوة هي الدفاع عن دستوركم البريء من ذنب مؤسسات لا تطبقه ومن ذنب شعب أغلبه ضحية أوهام.”
المــــقــــال كـــــامـــلا:
كيف اقتنع التونسيون بهذا؟!
من أقنع التونسيين بأن سبب أزمة الحكم وعدم الاستجابة لتطلعات التقدم وتحسين الأوضاع الاقتصادية يعود إلى الدستور؟
من أقنعهم بأن الدستور زرع ألغاما تحول دون التسيير الأمثل للدولة؟
من غرس في الأذهان أننا في نظام هجين محقرا بذلك نظامنا السياسي متناسيا أن يقول لهم أن أغلب دول العالم الديمقراطية وغيرها، لا هي برلمانية كبريطانيا التي ظهر فيها هذا النظام ولا رئاسية كالولايات المتحدة، وأن أنظمتها مختلفة وفي الغالب توجد فيها سلطة تنفيذية برأسين مع اختلاف الصلاحيات وطريقة اختيار رئيس الدولة أو الرأس الثاني لها؟
هل أن ثنائية السلطة التنفيذية عندما يكون رئيس الجمهورية منتخبا تؤدي حتما إلى صراع بين رأسي السلطة التنفيذية؟
في فرنسا وفي نظام يصفه بعض الفقهاء بأنه نصف رئاسي لما تفرز الانتخابات التشريعية أغلبية من حزب الرئيس ونصف برلماني في فترة التعايش، تعايش رئيس الجمهورية اليساري مع وزيره الأول اليميني والعكس بالعكس، وكانت تجارب صعبة لكنها لم تمس بالمؤسسات ولا بمصلحة البلاد العليا.
هناك شهادات عديدة من ” إدوار بلادور” دونها في كتابه وشهادات لوزراء أول آخرين عن صعوبات في العلاقة بين رأسي السلطة التنفيذية في فترات التعايش وحتى في فترة الانتماء لحزب أو ائتلاف واحد.
ولكن في النهاية مستوى المسؤولية لدى السياسيين في فرنسا ورغم أخطائهم وحتى جرائم بعضهم منعت حصول أزمات تعرقل سير الدولة في ظل طبقة سياسية ومجتمع مختلف عنا.
الخلاف وصل حتى لمسائل تتعلق بالأمن القومي، ولكنهم تجاوزوها بسلام. لما أراد “بلادور” القيام بتجارب نووية أخيرة رفض رئيس الدولة ذلك واستند “بلادور” لصلاحياته في تسيير الدفاع التي نص عليها الدستور فاستدعى رئيس أركان الجيش وسأله عن إمكانية تنفيذ قراره فأجابه بالنفي لكون رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيوش.
بقطع النظر عن تقييم النتائج السيئة في بلادنا في كل المراحل، في فترة حكم المرزوقي والعريض لم تكن هناك خلافات تذكر بين الرئيسين. وبصفة أحسن كانت فترة حكم سعيد والفخفاخ، في حين فشلت الحكومات الأخرى في تعايش محترم ومناسب بين الرئيسين، بلغ أسوأه التعايش بين سعيد والمشيشي.
لما أعلن قيس سعيد الإجراءات الاستثنائية ثم انحرف بها إلى حكم فردي خارج الدستور وأصبحت له صلاحيات لم تتح لرئيس دولة في تونس منذ سنة 1881، هل ارتحنا من التجاذبات ومن ثقل النظام المختلط أو الشبه برلماني ومن ثقل الديمقراطية وتعقيداتها؟
لننظر إلى النتيجة ولنتصور أن قيس سعيد انتخب في نظام ليس فيه رئيس حكومة بصلاحيات دستور 2014 أو ليس فيه إطلاقا رأس ثان للسلطة التنفيذية، هل كان وضعنا سيتحسن؟
رئيس انتخبه أكثر من ثلثي الناخبين يستغل طلبا ملحا لوضع حد لفساد سياسي منع تقدم البلاد باجراءات استثنائية ومحدودة في الزمن، فينقلب ويخون الأمانة ويلغي الدستور الذي أقسم على السهر عل احترامه، ويدير البلاد بشعبوية مقيتة وغياب كفاءة لا مثيل له، ويضر بصورة البلاد وبوضعها المالي ويلغي الثقة في الدولة وفي الاستثمار وفي الاقتصاد وفي المستقبل ويصيب مناخ الأعمال في مقتل، ويضاعف الضرر الذي حصل للبلاد في ظل منظومة الحكم التي سبقته ويعلم الله إلى أين ستصل البلاد إذا ما طال له المقام!
ما ذنب الدستور ؟
ما ذنبه لما يكون أغلب المجتمع الذي يتنزل فيه لا يختار للحكم إلا فاسدا أو شعبويا لما أصبح له بعد الثورة أن يختار بحرية ؟
ما ذنبه لما يفسد سياسيون فلا يجدون شعبا يتصدى لهم أو لما ينقلب رئيس فتخضع له جل مؤسسات الدولة صاغرة ويبقى الشعب يعتبره رئيسا؟
هل كان دور الدستور أن يغير العقول ويرفع مستوى الوعي، حتى نعتبره فاشلا؟
هل تكمن المشكلة في نظام الاقتراع كما يحاول البعض إقناع التونسيين به؟
يجب أن نلاحظ أنه لم يسبق أن تعذر يوما جمع أغلبية لتمرير قانون أو حتى قانون أساسي بسبب تشرذم تركيبة البرلمان، والحالات التي حصلت جميعها حالات تغيب نواب تعمدا أو قلة انضباط.
كما أن الأحزاب الفائزة في الانتخابات تمكنت منذ سنة 2011 من تشكيل حكومات في آجال معقولة وحتى حالة عدم التصويت لحكومة الجملي وانتظار أكثر من أربعة أشهر بعد الانتخابات التشريعية لتشكيل حكومة الفخفاخ، لم تكن موضوعا سياسيا ولا موضوع صراع حزبي على كراس بقدر ما كانت موضوعا جنائيا قائما على فكرة تشكيل حكومة مقبولة مع ضمان استمرار منظومة الفساد وعدم المحاسبة.
قد يقال أن الحل يكمن في تحمل حزب واحد للمسؤولية والحيلولة دون تفريق دمها بين القبائل.
جيد، فهل ثبت بعد انتخابات تشريعية ثلاثة وانتخابات بلدية واحدة أن أغلب الناخبين في تونس يحملون الأحزاب مسؤوليتها؟ حتى لما يغيرون حزبا فإنهم يأتون بمن لا يقل عنه رداءة!
ثم ماذا لو حكمت النهضة لوحدها بداية من آخر سنة 2011 أو حكم النداء لوحده بداية سنة 2015، هل كانت الأمور ستتحسن؟
نداء تونس تشظى وأصبحت داخله صراعات استعمل فيها العنف وأجهزة الدولة، ومن ناصره أو انتخبه لاستبدال النهضة وجد أنه لا يقل عنها فسادا ولا تمويلا أجنبيا ولا اختراقا للقضاء ولأجهزة الدولة!
هل يكمن الحل في اشتراط مستوى تعليمي عال للترشح كما أصبح البعض يقولون في بحثهم المخجل عن تبريرات؟
أغلب من مروا بالبرلمان منذ الثورة أصحاب شهائد عليا ونسبة مهمة منهم لها أعلى الشهائد العلمية، ويجب الانتباه إلى أن البلاد لم تعان من مغالطات أكبر وأخطر من مغالطات جزء من هؤلاء الذين يعتقد البعض في رفعة مستواهم المعرفي، في حين أن المعرفة تستوجب نزاهة فكرية، هذا إن وجدت أصلا معرفة كافية بما يجري في دواليب الدولة وبالجانب المخفي من الحياة السياسية في تونس.
لنتوقف عن تصديق الأوهام، ولننتبه إلى أن تونس جربت بعد الثورة كل أصناف الحكام: الشيوخ والشباب، مسيري الشركات الناجحين في الخارج والمناضلين والتكنوكراط والموظفين، والمتحزبين وغير المتحزبين، والمنتمين للمنظومة القديمة ومن جاء بعدهم، وأحزاب مختلفة، ولكنها فشلت في أن تبدأ بجدية رحلة السير نحو الرقي والتنمية والنجاح الاقتصادي!
أليس من الأسلم أن نبحث عن السبب الحقيقي للفشل بدل البحث عن أوهام؟
قيس سعيد رمز الأوهام اليوم، كان يمكن أن يفرض في بضعة أشهر انضباطا يصعب بعده أو في فترة حكمه عل الأقل أن تجد طبقة سياسية تبحث عن منافعها الخاصة وعن مصلحتها في البقاء في الحكم عبر المال. كان ذلك ضروريا جدا وممكن التحقيق جدا، ولكنه ككثير من السياسيين الذين ينتقدهم خان الأمانة وانحرف، غير أن انحرافه كان أخطر من انحرافاتهم على مستوى التكلفة.
فلنبدأ أولا بالتخلص من الأوهام المرتبطة بمشروعه، في انتظار التحرر من أوهام زرعها غيره قبله. وأول خطوة هي الدفاع عن دستوركم البريء من ذنب مؤسسات لا تطبقه ومن ذنب شعب أغلبه ضحية أوهام.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا