المنبر التونسي (تحليل المغادرة المرّة) – الدار البيضاء – انتهى مشوار “نسور قرطاج” في كأس الأمم الإفريقية 2025 بالمغرب على نغمة حزينة وسابقة لأوانها. ففي مواجهة مالي في ثمن النهائي، اكتفت تونس بالتعادل (1-1) رغم سيطرتها على الكرة بنسبة قاربت 70%، لتنتهي المباراة بخسارة مؤلمة (3-2) بركلات الترجيح. كان السيناريو قاسياً بشكل مضاعف لأن الخصم المالي لعب غالبية المباراة بعشرة لاعبين فقط. وفي الوقت الذي وعد فيه سامي الطرابلسي بالـ “وجه الحقيقي” للمنتخب، كشفت الحقيقة عن الحدود الصارخة لفريق يعاني من نقص في التحضير، وتفكك في الانسجام الهجومي، بالإضافة إلى خيارات فنية أثارت استغراب الجميع.
أولاً: مفارقة الطرابلسي: سيناريو مثالي أُسيء استغلاله
قبل اللقاء، كان سامي الطرابلسي قد أطلق نداءً للتفاؤل، واعداً بأن مباراة ثمن النهائي ستكون اختبار الحقيقة للمنتخب التونسي.
-
السيناريو القاسي: قدمت المباراة لتونس السيناريو الأمثل لتحقيق الفوز: تقلص عدد لاعبي مالي إلى عشرة بعد طرد مبكر لـ وويو كوليبالي (Woyo Coulibaly) في الدقيقة 26.
-
هيمنة عقيمة: بالرغم من التفوق العددي، هيمنت تونس على الكرة بشكل شبه مطلق، مستحوذة على حوالي 70% منها أمام دفاع مالي المُتكتل ببراعة. ومع ذلك، افتقر التونسيون إلى “الجرأة” والحلول الإبداعية المطلوبة.
تشكيلة تونس في المباراة |
| التشكيلة الأساسية: دحمان – فاليري (بن علي د. 110) – برون (مرياح د. 11) – الطالبي – العبدي – السخيري – ساسي – محمود (العشيري د. 46) – الغربي (سعد د. 70) – المجبري (بن رمضان د. 85) – ماستوري (شواط د. 70). |
ثانياً: مالي: بطولة، قوة ذهنية، وفعالية باردة
في مواجهة منتخب تونسي بدا مُتخبطاً، استلهم مالي من روحه القتالية العالية لإحباط الخطة التونسية:
-
لحظة وهم (الدقيقة 89): جاء الهدف التونسي الأول متأخراً في الدقيقة 89 برأسية البديل فراس شواط، بعد تمريرة نموذجية من إلياس سعد.
-
الضربة القاضية (د. 90+7): لم تدم فرحة التونسيين طويلاً. ففي الوقت بدل الضائع، ارتكب “نسور قرطاج” خطأ نتج عنه ركلة جزاء نفذها لاسين سينايوكو (Lassine Sinayoko) في الدقيقة 90+7. هذا الهدف يجسد، بشكل صارخ، العجز المزمن لتونس في إدارة أوقات القوة والتحكم في نهاية المباراة.
-
أشواط إضافية عقيمة: لم تتغير النتيجة خلال الأشواط الإضافية، وظلت السيطرة التونسية عقيمة يائسة في مواجهة القوة الذهنية والتنظيم الدفاعي المالي.
ثالثاً: التصدع: نقص الانسجام وأخطاء التدريب
لا يقتصر إخفاق تونس في هذه الكان على هذه المباراة. إنها مشكلة هيكلية تفاقمت بسبب القرارات الفنية المثيرة للجدل:
-
الحلقة الضعيفة: تمثّل العجز الأكبر في نقص التزامن وسلاسة اللعب في الهجوم. كانت عملية نقل الكرات بين الوسط والخط الأمامي بطيئة ويمكن التنبؤ بها.

-
لغز حنبعل المجبري: كانت إدارة النجم الشاب حنبعل المجبري نقطة خلاف رئيسية. قدم المجبري أداءً ممتازاً، تميز بالحضور الشامل والإبداع والقتالية. ومع ذلك، وفي مفاجأة مدوية، تم استبداله في الدقائق العشر الأخيرة بـ بن رمضان. هذا التغيير أربك أحد المصادر القليلة للخطورة التونسية، مما يطرح علامات استفهام حول حكمة الطاقم الفني في اللحظات الحاسمة.
-
إفشال الاستراتيجيات: تم تحييد التعديلات والتغييرات التكتيكية “المُرتجلة” التي قام بها المدرب التونسي بفضل التنظيم الدفاعي المذهل لمالي.
رابعاً: إقصاء مرير وعودة إلى العمل
جاءت ركلات الترجيح، التي تفوق فيها مالي (3-2) بفعالية عالية، لتؤكد الحالة الهشة نفسياً وتقنياً لتونس.
يفرض هذا الإقصاء المبكر، مُتلقين الهزيمة بـ “رأس منخفض”، الآن مراجعة عميقة وعاجلة لكرة القدم التونسية. لم تعد وعود الموهبة كافية؛ يجب دعمها بـ تحضير بدني وتكتيكي صارم، وخطة لعب متماسكة، وإدارة أكثر عدلاً وفعالية للرصيد البشري للفريق، لاستعادة طريق المنافسة القارية بسرعة.
بقلم: سمير بلحسن










































