الحد من الأضرار، سبيل جديد للسلطات الصحية

0

المنبر التونسي (الحد من الأضرار) – لا يزال مفهوم الحد من الأضرار، الذي يُستشهد به بشكل شائع في علم الإدمان، يثير العديد من الأسئلة ولا يزال غير معروف نسبيًا لعامة الناس. وعلى الرغم من أنه كان على مدى عقود من الزمن أصل العديد من السياسات العامة لمكافحة المخدرات أو الأمراض مثل الإيدز إلاّ إنّ الحد من الأضرار كمفهوم يُعدّ جديرا بالفحص العميق لأنه يوفر سبيلا آخر للسلطات الصحية وهو مسار أكثر إنسانية وواقعية وشمولاً.

ما هو الحدّ من المخاطر أو الضرر؟

وفقًا للمنظمة الدولية للحد من الأضرار (Harm Reduction International) ، يمثّل الحدّ من الضرر السياسات والبرامج والممارسات التي تهدف إلى تقليل الآثار الصحية والاجتماعية والقانونية السلبية المرتبطة بتعاطي المخدرات وسياسات وقوانين المخدرات.

وتؤكد المنظمة أن الحدّ من الضرر يستند إلى العدالة وحقوق الإنسان. ويركّز على التغيير الإيجابي والعمل مع الأفراد “بدون حكم أو إكراه أو تمييز أو مطالبتهم بالتوقف عن تعاطي المخدرات كشرط أساسي للدعم”، وهي نقطة أساسية في هذه الفلسفة التي لا تدفع إلى المنع كوسيلة وحيدة للتوقف عن الإدمان.

توضّح المنظمة الدولية للحد من الأضرار، التي تعتمد على نتائج سنوات من العمل في مجال تعاطي المخدرات والصحة العامة وحقوق الإنسان، أن الحدّ من الضرر يشمل مجموعة من الخدمات والممارسات الصحية والقضايا الاجتماعية التي تنطبق على المخدرات غير المشروعة والمشروعة. “وتشمل، على سبيل المثال لا الحصر، غرف تعاطي المخدرات، وبرامج تبادل الإبر والحقن، ومبادرات الإسكان والتوظيف غير القائمة على الامتناع، والعقاقير، والوقاية من المفعول العكسي للجرعات الزائدة، والدعم النفسي الاجتماعي، وتوفير المعلومات عن الاستخدام الآمن للمخدرات. وتعدّ هذه الأساليب فعالة من حيث التكلفة وقائمة على الأدلة ولها تأثير إيجابي على صحة الفرد والمجتمع “.

وفقًا للمنظمة، تستند سياسات وممارسات الحدّ من الضرر إلى مجموعة قوية من الأدلة التي تظهر أن التدخلات عمليّة وممكنة وآمنة وفعالة من حيث التكلفة في مختلف السياقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

ومن جهتها، تذكر المنصة الناطقة بالفرنسية لتوعية المواطنين ضد التدخين “جيل بلا تبغ”، أن الحد من المخاطر في الإدمان يعود أصله إلى بريطانيا العظمى منذ سنة 1926، حيث يعترف علاج متعاطي الهيروين بأن الحدّ من المخاطر المرتبطة به مع الاستهلاك قد يكون بديلاً عن التوقف عن التعاطي وحده. “أخذ هذا النهج منعرجا جديدًا في منتصف الثمانينيات، عندما استفحل وباء الإيدز بين متعاطي المخدرات بالحقن. كما ينعكس ذلك في فرنسا من خلال البيع الحرّ للحقن في سنة 1987، وهي سياسية جاري العمل بها منذ عدة سنوات في بلدان أخرى. واستمرت في سنة 1995 بإذن من أول وصفات الميثادون، المستخدمة بالفعل في الولايات المتحدة منذ الستينيات، ثم مع البوبرينورفين في سنة 1996. كل هذه السياسات ساعدت على إقناع المستخدم بالالتزام بحل علاجي واحد، والانتباه أكثر لما هو على استعداد لقبوله ومراقبته ” وفق المنظمة.

وأخيراً، تشدّد المنظمة على أن “التراجع المذهل للجرعات الزائدة والإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية ، فضلاً عن التزام المرضى بالبروتوكولات العلاجية ، سيزيد بشكل كبير من مصداقية نهج الحدّ من الضرر ويساهم في توسيع هذا المفهوم ليشمل أجزاء أخرى من العالم فيما يخص الإدمان”.

أهداف الحدّ من الضرر

تنصّ المنظمة الدولية للحدّ من الأضرار على أن الهدف من تبني مفهوم الحدّ من الضرر في السياسة العامة هو “إبقاء الأفراد على قيد الحياة وتشجيع التغيير الإيجابي في حياتهم”.

“إن إبقاء متعاطي المخدرات على قيد الحياة وحماية صحتهم هما أوكد الأولويات. تعتبر مناهج الحدّ من الضرر تيسيرية وليست اجبارية وتهدف إلى تعزيز التغيير الإيجابي في حياة الشخص، مهما كان ذلك التغيير صغيرًا أو تدريجيًا.

بالنسبة إلى Grégory Pfau و Alain Morel اللذان بحثا في السؤال في محورهما “الحدّ من المخاطر وفقًا للمنتجات” ، والمقتطف من كتاب “مذكرة الحدّ من المخاطر في الإدمان” ، فإن تقليل المخاطر ينضم إلى الوقاية من خلال السعي للحفاظ على الصحة ومن خلال “الإضرار” باستخدام المنتجات ذات التأثير النفساني ، سواء أكان ذلك قانونيًا أم لا.ويشير المؤلفان إلى أن المنتجات المعنية تشمل أيضًا المؤثرات العقلية التي أصبحت شائعة بشكل متزايد على الرغم من المخاطر الصحية العديدة التي تنطوي عليها. “لا يكتفي بالرسائل العامة ولا يمنع كل استهلاك. ويهدف إلى تقليل الآثار الضارة من خلال اسداء المستخدمين نصائح عمليّة ووسائل ملموسة لتقليل المخاطر المحددة لاستهلاكهم “، وفق المؤلفين.

بالنسبة لمارتين لاكوست، المديرة العامة لجمعية Clémence-Isaure ونائب رئيس اتحاد الإدمان، فإن التقدم الذي تم إحرازه على مدار العشرين سنة الماضية من خلال الحدّ من المخاطر ناتج عن التخلّي المزدوج: الامتناع عن التعاطي باعتباره النموذج الوحيد للرعاية والوقاية واعتماد القضاء على المخدرات كشرط “للعيش المشترك”.

وتشير مارتين لاكوست إلى “التوازن بين المتعة والمخاطرة والمعاناة” باعتبار أن الحدّ من المخاطر يتم نشره في جميع ممارسات الرعاية والتكامل والوساطة الاجتماعية والوقاية، مهما كانت المنتجات والسلوكيات “، وبالتالي فتح مرحلة جديدة في تاريخها، التي تساهم في “فتح العرض” من أجل “فتح الوصول” إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص، سواء للرعاية أو للاستخدامات المنتظمة، مع مراعاة مجتمع يسبب الإدمان “.

وتقول السيدة لاكوست: “إن الحدّ من المخاطر كفلسفة للعمل يعزز رؤية براغماتية وإنسانية في السياسات العامة المعتمدة”.

الحدّ من المخاطر المصاحبة للتدخين

تجمع السيجارة القابلة للاحتراق بين نوعين من الأذى، الأوّل هو الأذى المرتبط بسُميّة المواد الناتجة عن احتراق السيجارة والثاني الإدمان الناجم عن النيكوتين. ومع ذلك، فإن المجتمع العلمي أجمع على نقطة واحدة: النيكوتين ليس سبب المرض، بل إن العناصر الكيميائية الأخرى التي تدخل في عملية الاحتراق هي المسؤولة عن ذلك. وعليه، فقد كان من المقبول منذ فترة طويلة أن الخيار الوحيد المتاح لمدمن السجائر هو الإقلاع عن التدخين تمامًا. أمّا بالنسبة إلى Grégory Pfau و Alain Morel ، فإن “هذه السياسة لها تأثير في جعل عدد كبير من الأشخاص الذين يعتمدون بشدة على التبغ يشعرون بالذنب ويبقون دون حل، ويدركون المخاطر ولكنهم غير قادرين على التوقف تمامًا” حتى لو فرضت حالتهم الصحية عليهم ذلك في بعض الأحيان.

بالنسبة للكاتبين، فإن الحدّ من المخاطر في مواجهة التبغ يستدعي البحث في أقرب وقت ممكن عن “بديل للتدخين ، وبالتالي فإن الطريقة الأكثر فعالية لتقليل المخاطر. من المحتمل أن يكون النيكوتين مسؤولاً، إلى جانب المكونات الأخرى، عن إدمان للتبغ. ولذلك فإن استخدام بدائل النيكوتين يجعل من الممكن الحد من آثار الإقلاع مع تقديم طرق أخرى أقل سُميّة. ولذلك فإن الحد من المخاطر المرتبطة باستهلاك التبغ يعني الإقلاع عن تعاطي التبغ أو استخدام التبغ الذي لا يحترق إذا لم يكن الإقلاع ممكنا أو ببساطة اعتماد النيكوتين بطرق أخرى”.

وأشار طارق صفوت، أستاذ أمراض الرئة بجامعة القاهرة، خلال مؤتمر عُقد حول هذا الموضوع سنة 2020، إلى أنه إذا كان التبغ “إدمانًا”، فإن دراسات مثل تلك التي أجرتها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في الولايات المتحدة، أوضحت أن منتجات التبغ الذي لا يحترق “تقلل المواد المسرطنة بنسبة تصل إلى 90٪”، مقدرةً أن استخدامها “من شأنه أن يؤدي إلى الحدّ من الأمراض طويلة الأمد”.

وأشار إلى أن الدلائل تشير إلى أن مدخني السجائر الذين يتحولون تمامًا إلى التبغ الذي لا يحترق سيقللون من التعرض للسموم، الأمر الذي سيؤدي على الأرجح إلى تقليل مخاطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بالتبغ.

لا يزال مفهوم الحدّ من المخاطر غير منتشر في تونس. ومع ذلك، فإنّ هناك العديد من الباحثين والعلماء الذين يدعمون هذا النهج ويؤكدون أن بدائل السجائر القابلة للاحتراق يمكن أن تكون وسيلة للإقلاع وتقليل مخاطر التدخين

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا