القمة الرابعة لمنتدى الهند–أفريقيا: حقبة جديدة من الشراكة الاستراتيجية

0

  بقلم: سعادة الدكتورة ديفياني أوتام خوبراغادي سفيرة الهند في تونس

  • القمة الرابعة : (IAFS IV) تجديد الشراكة الاستراتيجية

المنبر التونسي (القمة الرابعة لمنتدى الهند–أفريقيا) –بينما تستعد الهند لاستضافة القمة الرابعة لمنتدى الهند–أفريقيا (IAFS IV) في نيودلهي في الفترة من 28 إلى 31 ماي 2026، بالتعاون مع مفوضية الاتحاد الأفريقي، تشهد العلاقات الهندية الأفريقية لحظة تحول هيكلي. إن هذه الشراكة، الضاربة بجذورها في قرون من التجارة البحرية عبر المحيط الهندي والتبادلات الثقافية والروابط الشعبية الراسخة، قد تطورت من خلال النضال المشترك ضد الاستعمار والفصل العنصري، وتوطدت أكثر بعد الاستقلال مع صياغة الدول ذات السيادة الحديثة لمسارات تنميتها.

وفي العصر الراهن، نمت العلاقات الهندية الأفريقية لتصبح شراكة متعددة الأبعاد تشمل المشاركة السياسية، والتعاون الاقتصادي، والمساعدة الإنمائية، وبناء القدرات، والتبادل الثقافي. وتسترشد سياسة الهند تجاه أفريقيا بالمبادئ العشرة التي صاغها معالي رئيس الوزراء ناريندرا مودي، والتي تؤكد على الاحترام المتبادل والمساواة والتنمية القائمة على الطلب والمتوافقة مع أجندة أفريقيا 2063.

تأتي القمة الرابعة، المنعقدة تحت شعار روح الشراكة الهندية ــ الإفريقية: شراكة استراتيجية من أجل الابتكار والمرونة والتحول الشامل، بعد فجوة دامت عقداً من الزمن منذ قمة عام 2015. وقد ساهمت تلك القمة بشكل كبير في توسيع شراكة التنمية الهندية عبر أفريقيا ووضعت أولويات تتماشى مع أهداف التنمية المستدامة وأجندة 2063. ومنذ ذلك الحين، عمقت الهند حضورها الدبلوماسي بافتتاح 17 بعثة جديدة في مختلف أنحاء أفريقيا، ليصل إجمالي تمثيلها إلى 46 بعثة، مما يعكس التزاماً مستداماً طويل الأمد.

وتماشياً مع الأهمية المرفقة بهذه القمة ومشاركة الهند المستمرة مع أفريقيا، فقد وجهت دعوة كريمة إلى معالي رئيس الجمهورية و وزير الشؤون الخارجية للجمهورية التونسية للمشاركة في هذه القمة.

لقد تغيرت الظروف العالمية بشكل كبير، متأثرة باضطرابات التوريد، والتحديات المناخية، والتحولات التكنولوجية، والشكوك الجيوسياسية. وتتطلب هذه التطورات ليس فقط توسيع التعاون، بل وأيضاً إعادة معايرة هيكله وآليات تنفيذه.

الهند وتونس: من الأسس المتينة إلى العمق المؤسسي

تتشارك الهند وتونس شراكة متجذرة تاريخياً ومهمة سياسياً، صاغتها القيم المشتركة والتجارب المتوازية لفترة ما بعد الاستعمار. لقد وضع قادة مثل الرئيس الحبيب بورقيبة ورئيس الوزراء جواهر لال نهرو حجر الأساس لهذه العلاقة، القائمة على العلمانية وعدم الانحياز والاحترام المتبادل. ومنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في عام 1958، حافظ البلدان على تعاون ثابت في المحافل متعددة الأطراف وعززا الروابط في مجالات الديمقراطية والتعليم والتنمية. وقد تطورت علاقاتنا تدريجياً من النوايا السياسية إلى التنفيذ الهيكلي. كما ساهمت اللقاءات الأخيرة، بما في ذلك المشاورات السادسة لوزارة الخارجية في مارس 2026، في تعزيز الروابط المؤسسية ضمن الإطار الأوسع للحوار الهندي الأفريقي.

وضمن إطار منتدى الهند–أفريقيا، توسع تعاوننا ليشمل المجالات التقنية والعلمية. ومن الأمثلة البارزة على التعاون العلمي المنظم توأمة معهد باستور بتونس مع المركز الدولي للهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية (ICGEB) في الهند، بدعم من إدارة العلوم والتكنولوجيا الهندية. ويركز هذا التعاون على أبحاث اللقاحات، والتكنولوجيا الحيوية، وبناء القدرات المؤسسية على المدى الطويل، مما يمثل تحولاً نحو التعاون القائم على المعرفة.

بالإضافة إلى ذلك، يتم تطوير العديد من المبادرات الاستشرافية تحت إطار المنتدى في تونس، بما في ذلك مختبر لتحليل التربة والمياه ومركز تميز في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وتعكس هذه المبادرات تركيزاً متزايداً على الشراكات المؤسسية المتخصصة التي تتماشى مع أولويات التنمية الوطنية.

لطالما ارتكزت مشاركة الهند مع أفريقيا، بما في ذلك تونس، على بناء القدرات. وتستفيد تونس من 100 مقعد تدريبي سنوياً بموجب برنامج التعاون  الفني والاقتصادي الهندي (ITEC). كما يقدم المجلس الهندي للعلاقات الثقافية (ICCR) منحاً دراسية ممولة بالكامل للتعليم العالي. ومنذ عام 2009، إنتفع 26 مواطناً تونسياً ببرنامج زمالاتسي. في. رامان الدولية ‘   (CV Raman International Fellowships) للباحثين الأفارقة.

يمتد هذا التعاون ليشمل مبادرات تدريبية مستهدفة، بما في ذلك برامج للدبلوماسيين التونسيين الشباب في معهد سوشما سواراج للخدمة الخارجية، وتدريب متخصص في مكافحة الإرهاب لأفراد الأمن، ودورات في الحوكمة الإلكترونية والأمن السيبراني لكبار المسؤولين الإداريين في نيودلهي.

وتركز المرحلة التالية من التعاون تحت مظلة القمة الرابعة بشكل متزايد على “الإنشاء المؤسسي المشترك”. وتشمل المجالات ذات الأولوية البنية التحتية الرقمية، والأنظمة الصحية، والزراعة، والتكنولوجيات الناشئة، مع التركيز على بناء القدرات المشتركة وحلول التنمية المكيفة محلياً بدلاً من نماذج المساعدات التقليدية.

تعميق المشاركة الاقتصادية: من التجارة إلى سلاسل القيمة

شهدت المشاركة الاقتصادية بين الهند وأفريقيا توسعاً مطرداً، لكنها لا تزال تتركز في قطاعات مختارة. وتتمثل الأولوية الرئيسية في التنويع ليشمل التصنيع، والزراعة، والطاقة، والخدمات، إلى جانب التكامل الأعمق في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية. ويتم وضع تركيز خاص على الأدوية، والصناعات الغذائية، والطاقة المتجددة، والمعادن الاستراتيجية، مع الاستفادة من نقاط القوة الصناعية والتكنولوجية للهند جنباً إلى جنب مع قاعدة الموارد في أفريقيا.

وتعد تونس من بين شركاء الهند الرئيسيين في شمال أفريقيا. وتظل تجارة الفوسفات حجر الزاوية في العلاقات الاقتصادية الثنائية، مدعومة بالمشروع المشترك لإنتاج الأسمدة )‘TIFERT’ الشركة التونسية الهندية للأسمدة(، والذي لديه القدرة على توليد أكثر من 500 مليون دولار من عائدات العملة الصعبة لتونس مع توفير فرص عمل لأكثر من 600 شخص. كما تساهم الشركات الهندية، بما في ذلك “لارسن آند توبرو”، و”كالباتارو باور”، و”ماهيندرا”، و”تاتا موتورز”، بفعالية في تطوير البنية التحتية والصناعة في تونس، حيث تبرز مشاريع كبرى مثل محطة الزارات لتحلية المياه كدليل على عمق تعاوننا.

وقد بلغ حجم التجارة الثنائية 521.71 مليون دولار أمريكي في 2024–2025، حيث وضع الجانبان هدفاً طموحاً للوصول إلى مليار دولار أمريكي. ومن المتوقع أن تعمل القمة القادمة على تعزيز هذا المسار من خلال تقوية تسهيلات الاستثمار، وتوسيع التعاون بين المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الشراكات الصناعية الأعمق.

صياغة شراكة هندية أفريقية جاهزة للمستقبل

توفر القمة الرابعة لمنتدى الهند–أفريقيا فرصة لتعزيز التعاون في ظل مشهد عالمي سريع التطور. إن التحول الرقمي والابتكار يعيدان تشكيل الاقتصادات الأفريقية، وتوفر تجربة الهند في البنية التحتية العامة الرقمية، ولا سيما “واجهة المدفوعات الموحدة” (UPI)، نماذج قابلة للتوسع لتحقيق نمو شامل.

وفي الوقت نفسه، يستمر التعاون في التوسع في مجالات العمل المناخي، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية المرنة من خلال مبادرات مثل “التحالف الدولي للطاقة الشمسية“، و”التحالف العالمي للوقود الحيوي“، و”التحالف من أجل بنية تحتية مقاومة للكوارث“. وتظل الدول الأفريقية شريكاً مهماً في هذه الجهود العالمية، مما يعكس الالتزامات المشتركة تجاه الاستدامة والمرونة.

وكما أشار وزير الشؤون الخارجية الدكتور س. جايشانكار، فإن القمة ستساعد في صياغة شراكة أكثر طموحاً وشمولاً وتوجهاً نحو المستقبل — لا تركز فقط على النمو الاقتصادي، بل أيضاً على تمكين الشعوب وتعزيز المؤسسات. وفي ظل بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين، تقف الشراكة الهندية الأفريقية كركيزة للاستقرار والموثوقية والتضامن، مساهمةً في بناء نظام دولي أكثر توازناً وصموداً.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.