خطاب 14 جويلية لـسعادة سفيرة فرنسا بتونس، السيدة آن غيغين

0

المنبر التونسي (سفيرة فرنسا بتونس) – إليكم تقديماً وتحليلاً موجزاً، يليه النص الكامل باللغة العربية لخطاب سعادة سفيرة فرنسا بتونس، السيدة آن غيغين (Anne Guéguene)، بمناسبة العيد الوطني الفرنسي في 14 جويلية 2026.

1. تقديم الخطاب (Présentation)

أُلقي هذا الخطاب في مقر الإقامة الفرنسية بالمرسى (“دار الكاملة”) بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني الفرنسي (14 جويلية 2026). جرى الحفل بحضور مميز لوزير تكنولوجيات الاتصال ممثلاً للحكومة التونسية، وبمشاركة عدد كبير من النواب، والسفراء، وممثلي المنظمات الدولية، والجالية الفرنسية والتونسية. يكتسي الخطاب طابعاً تاريخياً استثنائياً لتزامنه مع مرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين تونس وفرنسا منذ استقلال تونس عام 1956.

2. تحليل موجز للخطاب.  

يرتكز الخطاب على أربعة محاور استراتيجية تعكس فلسفة الدبلوماسية الفرنسية الحالية تجاه تونس:

  • السيادة والندية: ركزت السفيرة على احترام فرنسا الكامل لسيادة تونس وخياراتها. وأكدت على الرغبة المشتركة في بناء شراكة “ند للند” تقوم على الاحترام المتبادل وتجاوز آلام الماضي الاستعماري بروح من الهدوء والوعي المشترك.
  • الأرقام والمؤشرات الاقتصادية: استعرض الخطاب قوة الشراكة الاقتصادية بلغة الأرقام الملموسة؛ حيث تعد فرنسا الشريك الاقتصادي الأول لتونس، مع تسجيل فائض تجاري لصالح تونس تجاوز 3 مليارات يورو عام 2025، وتوفير الشركات الفرنسية لـ 170 ألف موطن شغل مباشر.
  • البعد الإنساني والتنقل والشباب: دافع الخطاب عن أهمية تسهيل حركة التنقل كأداة لبناء الأمل للشباب، معلنةً عن إصدار أكثر من 116 ألف تأشيرة العام الماضي بنسبة رفض تقل عن 16%، مشيدة بدور الجالية التونسية بفرنسا كجسر ثقافي متين.
  • الالتزام بالقضايا الدولية والعدالة: تطرقت السفيرة بوضوح إلى توافق الرؤى حول العدالة الدولية، لا سيما في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة والاعتراف بدولة فلسطين، إلى جانب دعم لبنان وأوكرانيا، مع التأكيد على ضرورة حماية دولة القانون والمواثيق الأممية.

3. النص الكامل للخطاب باللغة العربية

كلمة بمناسبة حفل 14 جويلية 2026 – العيد الوطني الفرنسي

السيد وزير تكنولوجيات الاتصال، السيدات والسادة النواب، السيدات والسادة السفراء والسفيرات وممثلو المنظمات الدولية، أصدقائي المنتخبون من أفراد الجالية الفرنسية، أصدقائي الأعزاء من تونس ومن مختلف أنحاء العالم، أيها المواطنون والمواطنات الفرنسيون الأعزاء،

أشكركم جميعًا على حضوركم ويسعدني أن أحتفل معكم اليوم بالعيد الوطني الفرنسي. هذا العيد ليس مجرد تاريخ في الذاكرة الفرنسية، فهو رمز لشعب اختار أن يعلن تمسكه بالحرية والمساواة والأخوّة. إنها المبادئ التي حملت روح الثورة الفرنسية وقادت، يوم 14 جويلية 1789، إلى سقوط سجن الباستيل منهية بذلك عهد الخضوع والاستبداد والتعسّف. وإذا كان الفرنسيون شديدي التعلق بشعار جمهوريتهم، الذي يمثل أساس نظامنا الجمهوري وديمقراطيتنا، فإن قيم الحرية والمساواة والأخوّة لا تنتمي إلى بلد واحد أو إلى حقبة زمنية محددة. إنها قيم تتجاوز الحدود والشعوب والأجيال، وتخاطب كل من يؤمن بالكرامة والعدالة.

هذه القيم المشتركة تكتسب، هنا في تونس، صدى خاصاً. فتونس بلد ذو ثقافة عريقة، متجذر في تاريخه وهويته، لا ينتمي فقط إلى الشرق أو الغرب، بل يقع عند ملتقى الطرق المتوسطية والعربية والإفريقية. إنه بلد صنعته مسيرة تاريخية غنية بالنضالات والالتزامات والآمال، أظهر رجاله ونساؤه، كما ألاحظ منذ ثلاث سنوات يشرفني خلالها أن أؤدي مهمتي كسفيرة في تونس، قدرة استثنائية على الصمود في مواجهة اضطرابات العالم ومساره غير المضمون.

سيدي الوزير، إن حضوركم اليوم يمثل أيضاً فرصة للاحتفال بمرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين تونس وفرنسا، منذ استقلال تونس في 20 مارس 1956. إن العلاقات بين تونس وفرنسا بما تتسم به من استقرار متميّز، تستمد قوتها وصلابتها من الإرادة المشتركة في مواجهة جراح وآلام الماضي الاستعماري وتجاوزها بروح من الوعي والهدوء. لقد اخترنا معاً بناء شراكة قائمة على المساواة، أساسها الاحترام والإنصات والحوار. تونس دولة ذات سيادة في خياراتها، وفرنسا، كما الاتحاد الأوروبي، تحترم هذه السيادة بشكل عميق. وأقول ذلك بكل وضوح وتواضع. إن طموحنا يتمثل في التعاون وتقاسم الخبرات، بما يحقق المنفعة المتبادلة لشعوبنا ويخدم مصالحنا المشتركة. فإن مفهوم “الشراكة ذات المنفعة المتبادلة”، الذي كان في قلب قمة “إفريقيا إلى الأمام” في نيروبي يوم 11 ماي، يجب أن يبقى أكثر من أي وقت مضى في صميم عملنا المشترك.

سيدي الوزير، ضيوفنا الكرام، إن فرنسا، وكذلك الاتحاد الأوروبي، شريك ثابت وموثوق به، يسير بوضوح والتزام. ونحن نعمل على بناء الثقة وتعزيزها. وإذ نعقد العزم على ضمان أمننا والدفاع عن مصالحنا، مع مواصلة الابتكار، فإننا لا ننتهج منطق الهيمنة أو التوسع الامبريالي. نحن جيران متقاربون وهذا يضفي حيوية على علاقتنا المتينة ويمثل قوة مشتركة ثمينة، خاصة في عالم أصبح فيه من الضروري تقليص وتأمين سلاسل القيمة والإمداد وتكريس التحول نحو اقتصادات أقل انبعاثاً للكربون وضمان أمن مواطنينا بمختلف أبعاده. وكما تعلمون، فإن فرنسا هي الشريك الاقتصادي الأول لتونس، وعلاقاتنا الاقتصادية تشهد تطوراً إيجابياً. فالاستثمارات والتبادل التجاري بين بلدينا في ارتفاع. وهذا يخدم مصلحة تونس، التي تجاوز فائضها التجاري تجاه فرنسا، سنة 2025، 3 مليار يورو، مقارنة بـ 2.4 مليار يورو من العائدات التي يوفرها قطاع السياحة.

إن شراكتنا لا تقتصر على الأرقام، بل تتجسد في مشاريع تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. فنحن نعمل معاً من أجل تكوين الشباب واندماجهم في الحياة المهنية. أريد التنويه هنا بقرابة 20 ألف تلميذ يدرسون في مؤسسات شبكة التعليم الفرنسي بالخارج (AEFE) في تونس، وبـ 16 ألف طالب تونسي يواصلون دراستهم العليا في فرنسا. كما أريد أن أذكر بدعمنا لتحديث المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية (ISET)، وكذلك افتتاح مركزين “أليف” في سيدي بوزيد وتوزر، بالشراكة مع مؤسسة تونس للتنمية وأصدقائنا الألمان. ونحن نساهم أيضاً في خلق مواطن الشغل، حيث توفر الشركات ذات المساهمة الفرنسية 170 ألف موطن شغل مباشر في تونس. كما نشجع الابتكار وريادة الأعمال، وأريد أن أستحضر هنا نجاح المنتدى المتوسطي للذكاء الاصطناعي الذي نظمناه معكم، سيدي الوزير، في نوفمبر الماضي.

وتشمل مشاريعنا المشتركة كذلك حماية الموارد الطبيعية، وخاصة الموارد المائية، ودعم الخيار الاستراتيجي لتونس لتعزيز سيادتها الطاقية من خلال تطوير إمكانياتها المتميزة في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. إن مشاريعنا تهدف أيضاً إلى دعم تنمية الجهات وتعزيز العدالة الاجتماعية والجهوية، وهي من أولويات الحكومة التونسية. ولهذا نعمل معاً على تعزيز المنظومة الصحية، حيث تساهم فرنسا، عبر الوكالة الفرنسية للتنمية AFD، في تمويل بناء مستشفيين جديدين في قفصة وسيدي بوزيد. كما تساهم هذه المشاريع في دعم العمل الذي يقوم به المجتمع المدني، وخاصة النساء التونسيات، اللواتي لا يمكن أن نحيي شجاعتهن ودورهن الوطني الأساسي بما يكفي من التقدير. ويحظى عدد كبير من هذه المشاريع بدعم المعهد الفرنسي في تونس، وكذلك وكالة “إكسبرتيز فرانس” (الوكالة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية) التي احتفلت في ديسمبر الماضي بمرور عشر سنوات على انطلاق نشاطها.

إن علاقتنا تبنى قبل كل شيء بفضلكم أنتم، كشركاء تونسيين وفرنسيين، لأنكم تساهمون في تعزيز الروابط الإنسانية الاستثنائية التي تجمع بلدينا. وأخص بالذكر مئات الآلاف من التونسيين والفرنسيين من أصول تونسية الذين يعيشون في فرنسا، والذين يمثل انتماؤهم للثقافتين جسراً رائعاً بين ضفتي المتوسط، وثروة ثمينة يجب علينا الاعتزاز بها. وبالنسبة إلى الشباب الموهوب والطموح، الذي يبحث عن آفاق جديدة في تونس أو على المستوى الدولي، مسؤوليتنا الجماعية هي في فتح هذه الآفاق، عبر تسهيل التنقل وتشجيع المشاريع، والأهم من ذلك عبر منح الثقة والأمل. ويسعدني أن أقول إننا أصدرنا أكثر من 116 ألف تأشيرة خلال السنة الماضية، بنسبة رفض تقل عن 16%.

في عالمنا المتقلب والعنيف الذي يشهد تحولات استراتيجية عميقة، أصبحت الثقة ضرورية أكثر من أي وقت مضى. فنحن نواجه التحديات نفسها: المناخ، الطاقة، الصحة، الديموغرافيا والأمن. إن مصيرنا واحد. لدينا بيت مشترك يجب علينا حمايته، وأفكر هنا خصوصاً في البحر الأبيض المتوسط وفي منظمة الأمم المتحدة. إن الشعوب، في هذه الأوقات العصيبة، تنتظر منا أن نحافظ على صوت القانون والعدالة والكرامة، وأن نعمل من أجل عالم يبقى صالحاً للعيش. وفرنسا متمسكة بهذه المبادئ، وهي تعلم أنها تجد في تونس صدى قوياً وعميقاً. إن فرنسا، التي تدرك حقيقة الحروب، لا تستسلم لها. وهي تنتهج دبلوماسية تقوم على احترام سيادة الدول والمساواة بينها والسعي إلى تحقيق السلام والأمن للجميع. لقد اعترفنا بدولة فلسطين. ونواصل دعم لبنان. كما نساند أوكرانيا في نضالها. وتونس بلد يحمل حساً قوياً بالعدالة الدولية، ويعبر عن تطلعات مشروعة إلى احترام حقوق الشعب الفلسطيني التي تتعرض اليوم إلى الانتهاك. ومن مسؤوليتنا المشتركة العمل من أجل احترام القانون والعدالة الدولية، ومواجهة النزعات القومية والعنصرية والحمائية التي أثبت التاريخ أنها تقود إلى الأسوأ. كما يجب علينا، انسجاماً مع التزاماتنا بموجب ميثاق الأمم المتحدة، ضمان احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع دون أي تمييز. وعلينا جميعاً حماية دولة القانون وضمان الأمن الدولي للأفراد والمؤسسات، لأنه لا يمكن تحقيق ازدهار اقتصادي أو أمن دائم من دونه.

فنحن، في الوقت نفسه، نتمتع باستقلاليتنا، لكننا نظل مرتبطين بعضنا ببعض بروابط عميقة، في عالم تحكمه شبكة متزايدة التعقيد من أوجه الترابط والتداخل. وهذا الترابط ليس علامة ضعف بل هو جزء من طبيعتنا الإنسانية، ومن سمات العصر الحديث الذي نعيش فيه. في الوقت الذي تشهد فيه التوازنات تحولات عميقة على مستوى العالم، فإن الانغلاق على الذات يتعارض مع مسار التنمية الاقتصادية وضمان الأمن للدول. فحركات الهجرة، التي تطرح اليوم تساؤلات عميقة أمام مجتمعاتنا، في الشمال كما في الجنوب، يمكن أن تشكل، شرط أن تكون مؤطرة وخاضعة للمتابعة، جزءاً من الحلول للتحولات التي يفرضها عصرنا. نحن قادرون، ونعرف جيداً كيف نوحد جهودنا لتحقيق هذا الهدف، مستثمرين على النحو الأمثل ما يجمعنا من قرب وروابط وثيقة.

سيدي الوزير، أيها الضيوف الأعزاء، في الختام، أود أن أتوجه لكم بالشكر وكذلك إلى شركائنا التونسيين والأوروبيين، وأود أن أعرب عن امتناني إلى فرق عمل السفارة والإقامة ومؤسساتنا التي تعمل يومياً على تجسيد هذا التعاون، وإلى كل من يساهم في تقريب المسافات بين بلدينا. وأود أن أحيي بشكل خاص القنصل العام، السيد دومينيك ماس، ومستشار التعاون والعمل الثقافي (COCAC)، السيد فابريس روسو، اللذين سيعودان إلى فرنسا هذه الصائفة. كما أتوجه بالشكر والتقدير إلى مختلف شركاتنا الراعية، وفي مقدمتها غرفة التجارة والصناعة التونسية الفرنسية وشركة توتال إنرجيز والبنك التونسي الدولي، التي بفضل سخائها، أصبح تنظيم هذا الاحتفال ممكناً، وكذلك إلى الشركات التي تساهم بصورة مثالية في تجديد هذه الإقامة، دار الكاملة الرائعة.

وأود أخيراً أن أقول لكم ببساطة: أنا أحب تونس وأتمنى لها ولشعبها كل الخير. إن الصداقة بين فرنسا وتونس لا تفرض بقرار، بل تبنى كل يوم من خلال الأفعال. أتمنى لكم جميعاً عيداً وطنياً سعيداً وأمسية جميلة. وإن مباراة نصف نهائي كأس العالم لكرة القدم التي تبدأ الآن ستمنحنا بلا شك لحظات رائعة من الحماس والمشاعر.

#العيد_الوطني_الفرنسي #تونس_فرنسا #العلاقات_التونسية_الفرنسية #السيادة_والشراكة #دار_الكاملة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.