كتاب “حيث قَادَنِي قَدَرِي” للدكتور الهادي بن معيز: سيرة مؤثر وتألّق طبّي

0

المنبر التونسي (حيث قَادَنِي قَدَرِي) – كنا نظن أننا نعرف الكثير عن الدكتور الهادي بن معيز، أستاذنا الجليل وصديقنا العزيز، بحكم معرفتنا الطويلة به. لكننا نكتشفه بتقدير وإعجاب أكبر عند قراءة مذكراته التي صدرت حديثا تحت عنوان “حيث قَادَنِي قَدَرِي” (le chemin de mon destin) عن دار ليدرز. فعلى امتداد هذا السرد لحياته، نزداد تقديرًا لكفاءاته الطبية وقيمه الشخصية، بل وأكثر من ذلك، نستعيد المبادئ التي وجّهت مسيرته منذ نشأته في ميقط رأسه جزيرة جربة إلى انتخابه عضوا بالأكاديمية الوطنية للطب بفرنسا.

لم يحدث ذلك أن يحدث بمحض الصدفة. فكل ما حققه كان بفضل قوة عزيمته وقيمة إنجانته العلمية.

قبل أن يصبح طبيبًا مختصًا بارزًا في أمراض الكلى، تمكن الدكتور الهادي بن معيز من تجاوز العديد من العقبات، وكسب ثقة كبار الأساتذة واستحق دعمهم. وكان يرى في كل فرصة لمزيد البذل. فانضمامه إلى فرق كبار الأساتذة في مستشفيات باريس، قبل أن يلتحق بالأستاذ حسونة بن عياد في قسم أمراض الكلى والطب الباطني بمستشفى شارل نيكول بتونس، كان عاملًا أساسيًا في تكوينه وتعزيز كفاءاته.

وإذا كانت شخصيات كبيرة من الطب الفرنسي والتونسي قد احتضنت الدكتور الهادي بن معيز، فلأنه أظهر استعدادات متميزة وخصالًا رفيعة. ولم يخيب ظنهم، بل حقق المسيرة اللامعة التي تنبؤوا له بها. فالتعلم المستمر، والتفاني في خدمة العلم والانخراط في رعاية المرضى، والإشراف على تكوين الأطباء الشبان، كانت في صميم رسالته.

ومن خلال صفحات هذا الكتاب الممتع، نسترجع ذكريات طفولته، وسنوات دراسته وتربصاته في باريس، ثم عودته إلى تونس، والتزامه بالعمل في المستشفى والتدريس بكلية الطب بتونس، وكذلك في باقي كليات البلاد. وكان هذا الالتزام مقرونًا لدى الدكتور الهادي بن معيز بوفاء لا يتزعزع لعائلته، ولجربة، ولتونس، ولمعلميه. كما أن قصة لقائه بعد أكثر من خمسين عامًا في مدينة بريست الفرنسية بمعلمه الأول في مدرسة حارة صغيرة، وتكريمه لأساتذته، وحبه لكل فرد من أفراد عائلته، كلها شواهد على تمسكه بقيمه. وعند حديثه عن والده رجب، المحارب القديم في الحرب العالمية الأولى، وعن أخيه الأكبر سالم، صاحب متجر العطرية الذي استقبله عند وصوله إلى تونس وآواه في مخزن دكانه بباب الخضراء، أو عن وصوله إلى باريس، نشعر بالبعد الإنساني العميق الذي يميزه.

كما تكشف قراءة هذا الكتاب، في ثناياها، عن التاريخ الريادي لقسم أمراض الكلى، والإنعاش، وغسيل الكلى، مع إنشاء مخبر للتشريح المرضي الكلوي، إضافة إلى دراسة نظام HLA الضروري لزراعة الكلى، التي أُنجزت في تونس في جوان 1986 بفضل الرواد المؤسسين لأمراض الكلى والجراحة الكلوية في البلاد.

ورغم قلة عدد الأطباء في القسم وضعف الإمكانيات المادية، فقد عُرضت الأبحاث العلمية لقسم M8 في أهم التظاهرات الطبية العالمية، مما ساهم في إبراز المستوى الرفيع لأمراض الكلى في تونس.

أما الجانب الإنساني والخيري للأستاذ الهادي بن معيز فلا يحتاج إلى إثبات، إلى درجة أنه اضطر في إحدى المرات إلى اقتراض المال للمشاركة في مؤتمر لأمراض الكلى في الخارج وتقديم أبحاثه هناك.

لم ينسَ الدكتور الهادي بن معيز أبدًا أصوله، وظل دائمًا وفيًّا لنفسه. وهذا ما يعكسه هذا السرد المؤثر لحياته، المليء بالإرادة والطموح والنجاحات والأفراح والتجارب الصعبة، والذي يقدمه بكل صدق.

فبعيدًا عن توليه رئاسة قسم M8 خلفًا للأستاذ حسونة بن عياد، أو انتخابه عضوا بأكاديمية الطب بفرنسا، يتجلى الدكتور الهادي بن معيز قبل كل شيء كرجل علم، غني بالتجربة، متشبع بالقيم، وفيّ في صداقاته، ومتواضع في شخصه.

إن شهادته مبعث إعجاب لزملائه وتلاميذه، ومصدر إلهام للأجيال الشابّة.

الدكتور رشيد مشماش

والدكتور محمد فوزي الدريسي

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.